العيني

31

عمدة القاري

ووثقه يحيى بن معين ، وقال يعقوب بن شيبة : ثقة ، فيما تفرد به وشورك فيه ، متقن صدوق فقيه مأمون . وقال العجلي : ثقة صاحب سنة وكان نبيلاً ، طلبوه للقضاء غير مرة فأبى . وقال ابن سعد : كان صدوقا صاحب حديث ورأي وفقه ، مات سنة أحد عشرة ومائتين . قوله : ( قال : مالك ؟ ) بفتح اللام وهو استفهام عن حاله ، وفي رواية عقيل : ( ويحك ! ما شأنك ؟ ) ولابن أبي حفصة : ( وما الذي أهلكك وما ذاك ؟ ) وفي رواية الأوزاعي : ( ويحك ! ما صنعت ؟ ) أخرجه البخاري في الأدب ، وفي رواية الترمذي : ( وما الذي أهلكك ؟ ) وكذا في رواية الدارقطني . قوله : ( وقعت على امرأتي ) وفي رواية ابن إسحاق : ( أصبت أهلي ) ، وفي حديث عائشة : ( وطئت امرأتي ) . قوله : ( وأنا صائم ) جملة وقعت حالاً من الضمير الذي في وقعت . فإن قلت : من أين يعلم أنه كان صائما في رمضان حتى يترتب عليه وجوب الكفارة ؟ قلت : وقع في أول هذا الحديث في رواية مالك وابن جريج ( أن رجلاً أفطر في رمضان . . . ) الحديث ، ووقع أيضا في رواية عبد الجبار بن عمر : ( وقعت على أهلي اليوم ، وذلك في رمضان ) . وفي رواية ساق مسلم إسنادها وساق أبو عوانة في ( مستخرجه ) متنها أنه قال : ( أفطرت في رمضان ) ، وبهذا يرد على القرطبي في دعواه تعدد القصة ، لأن مخرج الحديث واحد ، والقصة واحدة ، ووقع في مرسل سعيد بن المسيب عن سعيد بن منصور : ( أصبت امرأتي ظهرا في رمضان ) ، وبتعيين رمضان ، يفهم الفرق في وجوب كفارة الجماع في الصوم بين رمضان وغيره من الواجبات كالنذر ، وبعض المالكية أوجبوا الكفارة على من أفسد صومه مطلقا ، واحتجوا بظاهر هذا الحديث ، ورد عليهم بالذي ذكرناه الآن . قوله : ( هل تجد رقبة تعتقها ؟ ) وفي رواية منصور : ( أتجد ما تحرر رقبة ) . وفي رواية ابن أبي حفصة : ( أتستطيع أن تعتق رقبة ؟ ) وفي رواية إبراهيم بن سعد والأوزاعي : ( فقال : أعتق رقبة ) . وزاد في رواية عن أبي هريرة : ( فقال : بئس ما صنعت ! أعتق رقبة ) . وفي حديث عبد الله بن عمر ، أخرجه الطبراني في ( الكبير ) : ( جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : إني أفطرت يوما من رمضان ، فقال : من غير عذر ولا سقم ؟ قال : نعم . قال : بئس ما صنعت . قال : أجل ، ما تأمرني ؟ قال : أعتق رقبة ) . قوله : ( قال : لا ) أي : قال الرجل : لا أجد رقبة ، وفي رواية ابن مسافر : ( فقال : لا والله يا رسول الله ) . وفي رواية ابن إسحاق : ( ليس عندي ) ، وفي حديث ابن عمر : ( فقال : والذي بعثك بالحق ما ملكت رقبة قط ) . قوله : ( فهل تستطيع أن تصوم شهرين ؟ ) قال القرطبي أي : تقوى وتقدر ؟ وفي حديث سعد : ( قال : لا أقدر ) وفي رواية ابن إسحاق : ( وهل لقيت ما لقيت إلاَّ من الصيام ؟ ) وقال الشيخ تقي الدين : رواية ابن إسحاق هذه تقتضي أن عدم استطاعته شدة شبقه وعدم صبره عن الوقاع ، فهل يكون ذلك عذرا في الانتقال عن الصوم إلى الإطعام حتى يعد صاحبه غير مستطيع للصوم أم لا ؟ والصحيح عند الشافعية اعتبار ذلك ، فيسوغ له الانتقال إلى الإطعام ، ويلتحق به من يجد رقبة ، وهو غير مستغنٍ عنها ، فإنه يسوغ له الانتقال إلى الصوم مع وجودها لكونه في حكم غير الواجد . انتهى . قلت : في هذا كله نظر لأن الشارع رتب هذه الخصال بالفاء التي هي للترتيب والتعقيب ، فكيف ينقض هذا ؟ قوله : ( متتابعين ) فيه اشتراط التتابع ، وقد مر الكلام فيه . قوله : ( فهل تجد إطعام ستين مسكينا ؟ قال : لا ) . وزاد في رواية ابن مسافر : ( يا رسول الله . . ) ووقع في رواية سفيان : ( هل تستطيع إطعام ستين مسكينا ؟ ) ووقع في رواية إبراهيم بن سعد وعراق بن مالك : ( فأطعم ستين مسكينا ؟ قال : لا أجد ) ، وفي رواية ابن أبي حفصة : ( أفتستطيع أن تطعم ستين مسكينا ؟ قال : لا ) . وذكر الحاجة ، وفي حديث ابن عمر ، قال : ( والذي بعثك بالحق ما أشبع أهلي ! ) وقال ابن دقيق العيد : أضاف الإطعام الذي هو مصدر أطعم إلى ستين ، فلا يكون ذلك موجودا في حق من أطعم ستة مساكين عشرة أيام مثلاً ، ومن أجاز ذلك فكأنه استنبط من النص معنى يعود عليه بالإبطال ، والمشهور عن الحنفية الإجزاء حتى لو أطعم الجميع مسكينا واحدا في ستين يوما كفى . قلت : هؤلاء الذين يشتغلون بالحنفية يحفظون شيئا وتغيب عنهم أشياء ، أفلا يعلمون أن المراد ههنا سد خلة الفقير ؟ فإذا وجد ذلك مع مراعاة معنى الستين ، فلا طعن فيه ، ثم المراد من الإطعام الإعطاء لهم بحيث يتمكنون من الأكل ، وليس المراد حقيقة الإطعام من وضع المطعوم في فم الآكل . فإن قلت : ما الحكمة في هذه الخصال الثلاثة وما المناسبة بينهما ؟ قلت : الذي انتهك حرمة الصوم بالجماع عمدا في نهار رمضان ، فقد أهلك نفسه بالمعصية ، فناسب أن يعتق رقبة فيفدي نفسه ، بها ، وثبت في ( الصحيح ) ( أن من أعتق رقبة أعتق الله بكل عضو